فوزي آل سيف
11
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
كاظم الغيظ: ربما يكون هذا اللقب الذي اشتهر به الإمام عليه السلام يلخص ملامح الدور الذي اضطلع به سواء في زمان المنصور الذي جاء مشمِّرًا عن أكمام الانتقام، أو في زمان هارون الذي سيشهد سجن الإمام موسى ثم شهادته مسمومًا في السجن. وسيكون لنا موضوع حول كظمه الغيظ في محيطه الاجتماعي والسياسي. قضاؤه حوائج الناس: بينما تقوم السلطات البعيدة عن المجتمع بفرض القوانين المنهكة والمتعبة لعامة الناس غير شاعرة بمعاناتها، ومن السهل على بعض مستشاري هذه السلطات أن يزينوا لهم أن يجمعوا من الناس المال على شكل ضرائب[22] أو جزاءات أو غير ذلك ومن لا يدفع يتعرض للعقوبة. بينما قد وجدنا في حكومات المسلمين من يسارع إلى تحميل عامة الناس مثل هذه النفقات والضرائب غير المبررة، ويكون المتضرر الأكبر فيها الفئة الفقيرة التي قد لا تملك قوت يومها لكنها مجبورة أن تصرف على الحاكم ونزواته وشهواته، وإلا كانت تحت طائلة العقاب. وكان الأئمة عليهم السلام ومنهم الإمام الكاظم يستعملون وجاهتهم وموقعهم بين الناس لكي يخففوا هذه الأعباء. 1/ فقد روي عن رجل من أهل الري أنه قال: ولي علينا بعض كتاب يحيى بن خالد، وكان عليّ بقايا يطالبني بها وخفت من إلزامي إياها خروجا عن نعمتي وقيل لي: إنه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي إليه وأمتُّ به إليه (أنتسب له بكوني على مذهبه) فلا يكون كذلك فأقع فيما لا أحب فاجتمع رأيي على أن هربت إلى الله تعالى وحججت ولقيت مولاي الصابر يعني موسى بن جعفر عليه السلام فشكوت حالي إليه فأصحبني مكتوبا نسخته: “بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أن لله تحت عرشه ظلًّا لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفًا أو نفس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سرورًا، وهذا أخوك والسلام”. قال: فعدت من الحج إلى بلدي ومضيت إلى الرجل ليلا واستأذنت عليه وقلت: رسول الصابر عليه السلام فخرج إليّ حافيا ماشيا ففتح لي بابه، وقبلني وضمني إليه، وجعل يقبل عيني، ويكرر ذلك، كلما سألني عن رؤيته عليه السلام وكلما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشر وشكر الله تعالى ثم أدخلني داره، وصدرني في مجلسه وجلس بين يدي فأخرجت إليه كتابه عليه السلام فقبله قائما وقرأه ثم استدعى بماله وثيابه فقاسمني دينارًا دينارًا ودرهمًا درهمًا وثوبًا ثوبًا وأعطاني قيمة ما لم يمكن قسمته وفي كل شيء من ذلك يقول: يا أخي هل سررتك؟ فأقول إي والله وزدت على السرور. ثم استدعى العمل فأسقط ما كان باسمي وأعطاني براءة مما يوجبه علي عنه وودعته وانصرفت عنه، فقلت: لا أقدر على مكافأة هذا الرجل إلا بأن أحج في قابل وأدعو له وألقى الصابر واعرفه فعله، ففعلت ولقيت مولاي الصابر عليه السلام وجعلت أحدثه ووجهه يتهلل فرحا، فقلت: يا مولاي هل سرّك ذلك؟ فقال: إي والله لقد سرني وسر أمير المؤمنين عليه السلام والله لقد سر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لقد سر الله تعالى[23]. والقصة تغني في تفاصيلها عن الاشارة إلى دروسها وعبرها وشرح ما يستفاد منها.
--> 22 الرأي المشهور بين فقهاء المسلمين هو عدم جواز فرض ضرائب على عامة الناس غير ما وجب عليهم من الحقوق المالية الدينية كالزكاة والخمس وما أشبهها. 23 المجلسي، المولى محمد باقر: بحار الأنوار٧١/ ٣١٦